مقالات

العقل الحر

العقـل الحـر

لقد هجرنا العقل:

هجر الإنسان العقل منذ زمن بعيد، منذ أن خضع للأوصياء وترك لهم حرية التحكم بعقله وتقيده… ومنذ أن اعتقد أن كلمة الله بعيدة ومرتفعة عن عقله… وأصبح غير مؤهل لإعمال عقله لانه حُرم من محاولة إعماله.. فقد حذره هؤلاء الأوصياء من الاعتماد على نفسه، وأقنعوه أنه لا يمكنه الاعتماد على عقله هو لان عقله ضعيف غبى…

وهذا هو مفهوم حالة ” اللارشد “، وأصبح اللارشد محبباً للإنسان… فليس ثمة مبرر للتفكير اذا كان فى مقدور الآخرين التفكير له، ولا مبرر للسعى نحو المعرفة ما دام يمكنه سؤال غيره… فأصبح يطيب له أن يكون الكتاب بديلاً عن العقل والكاهن بديلاً عن الوعي..

 التنوير:

وللخروج من حالة ” اللارشد ” و ” تجميد العقل ” هذه لابد أن يصدق الانسان-كما يقول ديكارت- “أن العقل واحد عند بنى البشر أجمعين، فهو الشىء الوحيد الذى يجعلنا أُناس، ويميزنا عن الحيوانات وما منشأ الأراء المتباينة سوى تباين الطرق فى إستخدام العقل…

ولابد للإنسان أن يسعى لإستكشاف الحقيقة بنفسه ويتجه نحو التنوير.. والتنوير كما يقول كانط هو: ” هجرة الإنسان من اللارشد، واللارشد هو عجز الإنسان عن الإفادة من عقله من غير معونة الآخرين. كما أن اللارشد سببه الإنسان ذاته، هذا إذا لم يكن سببه نقص فى العقل، وإنما نقص فى التصميم والجرأة على إعمال العقل من غير معونة من الآخرين”…. كن جريئا فى إعمال عقلك…هذا هو شعار التنوير…

 التنوير والحرية والقضايا المجتمعة:

إن التنوير ليس فى حاجة إلا إلى الحرية، وأفضل الحريات الخالية من الضرر هى تلك التى تسمح بالإستخدام العام لعقل الإنسان فى جميع القضايا… حتى القضايا الدينية والكنّسية… لأنه لو أعتقد البعض أنهم لهم وحدهم الحق المطلق فى البت فى هذه القضايا لإنطلقنا إلى مفهوم العصمة… وما كانت لنا حاجة إذاً لقراءة الكتاب المقدس… ما دام تفسيره وتطبيق أحكامه على القضايا الإجتماعية هى حكر للبعض فقط…

 الكتاب المقدس وقضايا المجتمع:

ان الكتاب المقدس وقضايا المجتمع لا ينفصلان قط عن بعضهما.. ولأى إنسان كل الحق فى إبداء رأيه فى هذه القضايا طالما هو ملم بالنصوص الكتابية وخلفيتها…

لأنه لا يمكن لرتبة معينة أن تضع أحكاما مطلقة على هذه القضايا… فلإنسان مساو لأخيه الإنسان بطبيعته وتنشأ الفوارق بينهما نتيجة ظروف خارجية تنشأ فيها الأفراد وترعرعوا فيصبح لكل فرد رؤيته الخاصة القابلة للخطأ….

إن أكبر خطأ وقع فيه رجال الإكليروس هو وضع أنفسهم أوصياء على عقول الشعب وعلى كل تفاصيل حياته.. وتُقسم المجتمع إلى اكليروس مقدس معصوم( ثيؤقراطى) خاصة رجال الكهنوت ومجتمع علمانى، واحتكموا إلى أن المجتمع المقدس هو الذى يحكم المجتمع العلمانى…

مع أن الواقع هو أن الله خلق المجتمع كله مقدساً، وما على الاكليروس الإ قيادة العبادة والإرشاد الروحى فقط، والكتاب المقدس لا يقدم قط صورة للسلطة على العقل وتقييده، ولا يقدم صورة لفئة تفترض أن أحكامها هى أحكام مطلقة تستمد شرعيتها من الله لأنها فئة مقدسة معصومة.

 النسبية:

ان كل القضايا الإجتماعية هى قضايا ذات وجهات نظر نسبية لأنها تحتكم للظروف المحيطة والبيئة واختلاف المكان والمؤثرات المجتمعية والثقافية، بعد إحتكامها للنص الدينى ( وذلك فى المجتمعات الكنسية )، لذا فهى قضايا نسبية يجب التفكير فيها بما هو نسبى وليس ماهو مطلق، فحتى بعض النصوص الدينية احتكمت إلى ماهو نسبى عندما نَخلُص إلى خلفيتها التاريخية والظروف التى نشأت فيها ( مثل رأى بولس الرسول فى الزواج )…

وفى النسبية العقل هو مقياس الأشياء، وكل شىء خاضع للنقد عدا النصوص الدينية وأصول الإيمان، عدا ذلك فالقضايا الإجتماعية التى لا تسند إلى نص دينى صريح لابد أن تحتمل إعادة النظر والأفكار المختلفة…

إن الله لم يفوض أحداً قط للسيطرة على عقلك عقل الإنسان…

ولم يفوض أحداً قط ليعرف بدلاً منك المعرفة الدينية…

ولم يفوض أيضاً أحداً قط ليصدر لك أحكاماً أنت تستطيع ببحثك عن المعرفة أن تخَلُص إليها!!!

مناقشة

Trackbacks/Pingbacks

  1. التنبيهات: التعليم القبطي: رؤية المشكلة « خواطر قبطية أرثوذكسية - يناير 31, 2012

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: