مقالات

مفهوم السلطة عند السيد المسيح (١)

عن: خوان أرياس، لا أؤمن بهذا الإله

الله قـدير، كلّى القدرة، وكان بوسعه أن يفتتح دخوله إلى العالم بعمل يُظهر فيه قدرته وسلطانه وسطوته.

كان المرء، بعد السقوط، فى الهاوية. كان قد فقد حقوقه كلها، لا يقوى على الخلاص بمفرده.  وكان بوسع الله أن يلجأ إلى قدرته ليرغمه على أمر هو بطبيعة الحال جيد، ألا وهو أن ” يخلّص نفسه”…

 إلا أن الله رفض تحقيق خلاص البشر عن طريق السلطة…

فكان أول الشروط لدخوله التاريخ الإنسانى أن تلبي مريم دعوته :” فليكن لى كما قلت”: [هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ ] [ لوقا 1: 38 ].

الابن الكلمة المتجسد يعمل مشيئة الآب ويبادر إلى افتداء شعبه. لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ اَلسَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ اَلَّذِي أَرْسَلَنِي. وَهَذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ اَلَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئاً بَلْ أُقِيمُهُ فِي اَلْيَوْمِ الأَخِيرِ. لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اَلَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي اَلْيَوْمِ الأَخِيرِ ] [ يوحنا 6: 38ـ 40 ].

فهو إله، وهو قدير ـ هو القدرة ذاتها ـ ومع ذلك فإنه ” يتخذ صورة عبد” على حد قول بولس الرسول: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اَللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ ] [ فيليبى 2: 6, 7 ]… 

وهنا يكمن ما يُدخله الله من تغيير عميق فى مفهوم البشر للسلطة.

ففى نظر الوثنيين كان المسيح حجر عثرة، ولم يفهموا قط أن يتجرّد القدير عن قدرته ويظهر أمام الناس ضعيفًا، مكبلاً، مضطهدًا، مصلوبًا: [  فَوَلَدَتِ اِبْنَهَا اَلْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي اَلْمِذْوَدِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي اَلْمَنْزِلِ ] [ لوقا 2: 7].

ومع ذلك فإن يسوع الطفل الصغير، الضعيف، الفقير، العبد، هو ” الكلّى القدرة”.

فعند ولادته بشر الملاك الرعاة قائلاً: فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ اَلشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ اَلْمَسِيحُ اَلرَّبُّ ] [ لوقا 2: 10, 11]…

وسبحه السمائيون قائلين: اَلْمَجْدُ لِلَّهِ فِي اَلأَعَالِي وَعَلَى اَلأَرْضِ اَلسَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ اَلْمَسَرَّةُ  ] [ لوقا 2: 14 ]…

ومع ذلك قال يسوع لليهود: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ ] [ متى 8: 20, لوقا 9: 58 ]…

إلا أن قوته لا تمتّ  بصلة إلى قوة جبابرة هذه الدنيا.

فسلطته وحماية الآب له تنبعان من رفضوا القوة كأداة للقهر.

كان بوسعه القضاء على هيرودس لما شرع هذا الطاغية بملاحقته فى صميم مهده. ولكنه لم يلجأ إلى سلطانه على الحياة. فكان الآب نفسه يدافع عنه: مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ ] [ متى 2: 13]…

ولما كان يبدو فقيرًا أعزل فى وجه الظالم، كان فى الحقيقة أقوى منه. 

سلطان المسيح مرده إلى وحدته مع الآب: اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ ] [ يوحنا 14: 9 ]…

ويتمتّع يسوع بالسلطان لأنه ينطق باسم الآب. ويتكلّم فى صميم الضمير حيث الملاقاة بين المرء وخالقه. وهذا ما حدا بالجماهير على أن تقول: فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ ] [ مرقس 1: 22 ]…

إلا أنه لم يكن يفرض سلطانه، ناهيك عن قدرته. بل كان يفرض نفسه فرضًا تلقائيًا، بفضل قوة كلامه الجذاب، وحياته، وحكمته، وتنبؤاته، وآياته العجيبة: وَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالُوا لَهُ: إِنَّ اَلْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ ] [ مرقس 1: 38 ]… 

فلمّا خلّص الزانية لم يلجأ إلى السلطة، بل إلى قوة اتهامه المعنوية وحكمه الصارم فى الرياء، مما أفحم أعداءه ومزّق أقنعتهم أمام الجماهير: وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ ….. اِنْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!] [ يوحنا 8: 4 ] …

ولم يلجأ قط إلى السلطة فى المجال الزمنى، إذ قال: أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ ] [ متى 22: 21, مرقس 12: 17, لوقا 20: 25 ]…

وإن هو لجأ بعض الأحيان إلى سلطانه الفائق الطبيعة، فما كان ذلك إلا لخدمة لمن توسّل إليه: وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ اَلإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى اَلأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ اَلْخَطَايَا ـ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ:  لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاِحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاِذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ ] [ مرقس 2: 9, 10]… 

وإن هو استعمل السلطة بشكل مباشر، فلم يكن ذلك إلا لمقاومة الشياطين: [إذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! ] [ متى 4: 10]…

فهو يحترم دومًا حرية الإنسان. أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟ ] [ يوحنا 5: 6]…

ويكتفى بإيقاظ ضميره ونزع القناع الذى يتلبس فيه مرائيًا. فيبيّن له مغبة الهلاك ويدعوه على مراتع الكمال: هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فلاَ تُخْطِئْ أَيْضاً لِئَلَّا يَكُونَ لَكَ أَشَرّ ] [ يوحنا 5: 14 ]… 

السلطة التى لجأ إليها الله مع الناس بعد أن أغلقوا دونهم أبواب الخلاص، هى أنه أرسل ابنه ” ليفتدى” الجميع: اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ – الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ ] [ عبرانيين 1: 1, 2 ]…

هذه القدوة هى وما عهدناه وما فهمناه فى ذلك الشأن على طرفى نقيض. فبدل أن يفرض الله على البشر التكفير عن خطاياهم. وبدل أن يضطرهم إلى الصعود على الصليب لتُمحى بذلك خطيئتهم، قدّم ابنه، المولود من بين البشر، والمنحط إلى العبودية، ليبين للعالم أن طريقته الوحيدة فى ” التسلّط” و” فرض قدرته” هى الحب السخى. الحب الذى يحمل على منكبيه خطيئة البشر. وليبين أن الطريقة الوحيدة أمام من يريد إعتاق العبيد هى أن يصبح هو نفسه عبدًا للآخرين: لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ ] [ يوحنا 3: 16]… الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ اَلْعَالَمِ اَلْحَاضِرِ اَلشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اَللهِ وَأَبِينَا ] [ غلاطية 1: 4 ]… اَلَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ اَلْجَمِيعِ، اَلشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا اَلْخَاصَّةِ ] [ 1 تيموثاوس 2: 6]… اَلَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْباً خَاصّاً غَيُوراً فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ ] [ تيطس 2: 14]…

وندخل إذ ذاك نظام جديد للسلطان، أساسه ديناميكية المحبّة، وقيمته أن يبذل فيه المرء ذاته. إنه السلطان الوحيد الذى يفرض السلطة المعنوية القادرة على الوصول إلى أعماق الضمير.

لمّا كنت أدرس اللاهوت فى الجامعة، قرأت ذات صباح نبأ فى الجريدة، كان لى على أثره من الادراك لهذه المسألة ما لم أنله بعد أسابيع طويلة من الدراسة فى الكتب. وكان هذا النبأ مروعًا، إلا أن مغزاه اللاهوتى عميق. 

ومفاده أنه كان أحد الأطفال، لمّا يتجاوز الثالثة من عمره، يلعب الكرة إلى جانب الطريق فى إحدى ضواحى روما، وكانت أمه قريبة منه.  وإذا بالكرة قد اندفعت نحو الطريق، فجرى الطفل فى أثرها، وما هى إلا ثانية حتى أطلت شاحنة على أقصى ما تكون من السرعة. فشرعت الأم تصرخ وتتوسل إلى ابنها ليهرب ولكن الصبى لم يكن ليبالى، فبقى فى وسط الطريق. عندئذ تخلت الأم عن كل تفكير فقدمت حياتها لتخلص ابنها، فرمت بنفسها أمام الشاحنة، ودفعت بالصبى إلى جانب الطريق، ولقيت مصرعها تحت عجلات العربة.

آخر فعل سلطان قامت به هذه الأم تجاه ولدها، كان تقديمها له حياتها بالذات لتكون له الحياة.

ولطالما تساءلت بعد ذلك: تُرى أى سلطة معنوية كان قُيّض لهذه الأم على ابنها، لو قُدّر لها أن تنجو من الحادث؟.

لأن الذى يأمر أو يدعو أو يسأل وهو يبدأ فيعرّض نفسه لخطر، إنما يُلزم الضمير إلى أبعد الحدود.

لمّا دخل الله فى تاريخ الإنسانية التى أغلقت دونها أبواب الحياة، لم يمارس سلطانه وهو جالس على العرش، بلّ وهو فى مذود بيت لحم وعلى خشبة الصليب فى أورشليم.

الله قادر على اقتحام حصوننا ولكنه لا يفعل. أما نحن، غير القادرين على ذلك، فإننا غالبًا ما نقتحم حِمى القريب. 

كان بوسع المسيح أن يرشق يهوذا بالحرم ويقصيه عن جماعة الرسل. 

لكنه قال له: مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ ] [ يوحنا 13: 27]…

ولكنه أبقاه إلى جانبه حتى القُبلة الأخيرة، قبلة الخيانة: [  فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا يَهُوذَا أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ؟ ] [ لوقا 22: 48]…

كان باستطاعة المسيح أن يفرض على رسله تحت طائلة الخطيئة، بعض الشرائع. لكنه آثر تحريرهم من شكليات الشرائع والعوائد الراهنة. مما جعل الناس يتعثرون لأن التلاميذ قطعوا السنابل يوم السبت، ولم يصوموا على غرار تلاميذ المعمدان: [  ثُمَّ قَالَ لَهُمُ : اَلسَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ اَلإِنْسَانِ لاَ اَلإِنْسَانُ لأَجْلِ اَلسَّبْتِ ] [ مرقس 2: 27 ]… 

لم يفرض المسيح على تلاميذه حتى على الصلاة، ولكنه هم الذين سألوه، بعد أن رأوه يصلى: وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ لَمَّا فَرَغَ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: يَا رَبُّ عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أَيْضاً تَلاَمِيذَهُ  ] [ لوقا 11: 1]…

المسيح يدفع ويقنع ويهدي، إلا أنه لا يغصب على الإطلاق. إنه لا يلجأ إلى سلطانه.  

المجال واسع لمن يريد سبر أغوار سر بيت لحم، سر مفاهيم السلطان الجديدة. إذ يقف المرء أمام الإله القدير ينبوع القدرة والسلطان، وهو يقدّم ذاته لخلائقه ضعيفًا، اعزل، احوج ما يكون إلى المأوى والحماية…

هيرودس هو السلطة، فيعيث ظلمًا وطغيانًا. أمّا يسوع فهو الضعـف، فيحمل العدل والمحبة. هيرودس يبغى الدفاع عن ملكه فيلجأ إلى سلطانه ليزرع الموت ويغتال الأبرياء. أمّا يسوع فيحتمى من الموت بالاستسلام إلى أبيه فينجو من هيرودس: حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرّاً وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَقَالَ: { اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضاً وَأَسْجُدَ لَهُ }ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ انْصَرَفُوا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ. وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: { قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ }وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ: { مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي } ] [ متى 2: 7, 8, 13ـ 15]… 

وفى آخر أيامه يسلم ذاته إلى الموت ليقدّم للعالم الحياة. فيما يصلب بيلاطس مبدع الحياة، بل الحياة نفسها، لينجو بذاتهقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاْصْلِبُوهُ لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً ] [ يوحنا 19: 6 ]… 

المقتدرون فى العالم يلجأون إلى السلطة للدفاع عن أنفسهم. أما سلطة الله فتلجأ إلى الحب لخلاص الآخرين.

وما من قدرة لها السلطة المعنوية الحق على الضمائر، إلا تلك القدرة التى تتحول إلى تواضع، وذلك الغنى الذى يُضحِى فقرًا، والحرية التى تغدو عبودية عن سابق إرادة. تلك هى السلطة الوحيدة التى بوسعها أن تقول: وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ اَلْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ ] [ متى 11: 29 ]…

والوحيدة التى تقدر أن تعلن على رؤوس الملأ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي ] [ يوحنا 14: 6]…

والوحيدة التى تتجاسر وتدعو: ” تعال اتبعنى”. 

ولئن كانت الكنيسة الامتداد الحى لبيت لحم، والمكملة لسر المسيح الشامل، فلا بدّ لقدرتها أن تكون شبيهة بقدرة المسيح، ولا يجوز أن تلجأ إليها على خلاف ما يلجأ إليها المسيح نفسه. أضف على ذلك أن للكنيسة دوافع أخرى تحدوها على المثول أمام العالم بمظهر المسيح، الذى لا يفرض إلا ” خدمة الآخرين”. الذى لا يعمد إلى الإكراه، ويؤثر التضحية وبذل الذات.

إن كانت الكنيسة تولد وتمثل أمام العالم بمعزل عن ضعف سيدها وعريه وفقره فى بيت لحم، وتؤثر على ذلك المذود المذهّب الذى يُرضى كل من تخلّق بأخلاق هيرودس على وجه الأرض، إن  هى عـدلت عـن ممارسة سلطاتها من عـلى الصليب فى التواضع، والبساطة، واحترام الحرية، والأصالة، والسيرة الحسنة، والقداسة،

فهى كنيسة تتنكر لما أرادها الله أن تكون، وسوف يؤول أمرها إلى سخرية الناس ولا مبالاتهم. وكل ما قد تحظى من نصيب، يكون الخشية منها والتملّق لها، على نحو ما يحظى به المقتدرون فى هذه الدنيا.

ولن يعطى لها الدخول إلى محراب ضمائر البشر، ولن يعطى للبشر أن يعرفوا صوتها، ذلك الصوت الكامن فى أعماق قلوبهم، إلا إذا استطاعت أن تقابل تجبر المقتدرين وظلمهم ببذل الذات والثقة بالله الآب.

وأن تواجه الإكراه بروح الحرية والقبول المتواضع بالمجازفة فى سبيل الخير، وأن تحلّ، محل التسلّط والجاه، والتجرّد من التيجان والسعى المخلص لغسل أرجل البشر، كل البشر وحتى أعدائها والذين يخونونها ويتنكرون لها ويضطهدونها، على نحو ما فعل المسيح مع يهوذا، وأن تخاطب العالم باسم الله، متذرّعـة بكلام الله. إذ ذاك فقط يحق بها القول: ” إنها تتكلّم كمن له سلطان”. وإذ ذاك فقط يطيعونها كما يريد الله أن يطاع، بالحب وبدافع الحب.

المسيح الطفل المولود من المرأة، المسيح الهارب فور ولادته، المسيح الطفل فى المنفى، تلك مواضيع للتأمل نحن أحوج ما نكون إليها فى هذه الأيام حيث المناقشات الحادة حول شؤون الدين، والانشقاقات فى الكنيسة، والتوتر بين الرؤساء والمرؤوسين.

نحن أحوج ما نكون إليها لتحديد موقفنا من الكنيسة بوصفها ذات سلطان، وبإزاء العالم الذى يناصبنا العداء ويرفضنا. مرددين قول الرسول بولس:

فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا اَلأَسِيرَ فِي اَلرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ اَلَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا.

بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي اَلْمَحَبَّةِ.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ اَلرُّوحِ بِرِبَاطِ اَلسَّلاَمِ.

جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضاً فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ اَلْوَاحِدِ.

رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ،

إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، اَلَّذِي عَلَى اَلْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ ] [ أفسس 4: 1ـ 6]…

يتبع

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: