مقالات

السمات الأساسية لروحانية الكنيسة

الكنيسة هي الأم التي يثق فيها الله ويعهد إليها بسر المسيح المخلص وبأعماله العجيبة، هي جسد المسيح السرى والذي تشكل فيه الأعضاء والمسيح والرأس. وكلما كانت الأعضاء سليمة ومتعافية ومتأصلة بالرأس والمنبع والمصدر لكل بركة ونعمة تستطيع (الكنيسة) أن تكون حاضرة حضوراً شاهداً تحمل الخلاص للعالم الذي تعيش فيه بأكمله، و

لا ننسى أن الكنيسة هي مرسلة من قبل الله لأجل هذا العالم لتكون شاهدة على أعظم حدث خلاص والذي هو الحب

أولاً : كنيسة خاضعة لكلمة الله:

كلمة الله هى حضور لله ذاته. والكنيسة هى عروسة المسيح، وهى جسد المسيح السرى ولابد أن نخضع له ولكلمته الحيه وبشكل خاص فى الأنجيل المقدس، والكنيسة يومياً تتغذى وتتحرر من خلال هذه الكلمة، وعلى الكنيسة أن تحمل كلمة الأنجيل لأجل تحرير وتشجيع كل الذين فى الخطر نتيجة للظلم والأضطهاد الواقع عليهم .

خيارات الراعي تجاه السلطة الزمنية إحدى ثلاثة، المصانعة أو المسالمة أو المواجهة.

المصانعة، واسعة الحضور تزدهر كلما إزداد جور الحكام ونضبت المناعة الروحية.

أمّا المسالمة، وهي الأعم الأوسع في تاريخ الكنائس، فتقوم على إلتزام الحذر وطلب السلامة وتجنب ما يثير سخط الحاكم وانتقامه.

مخاصمة الحاكم الظالم وضعٌ نادرٌ له رجاله. هم أحبارٌ لم يجبنوا في مواجهة طغاة الارض. لم يختر هؤلاء من لا ربط في يدهم ولا حل وأثقلوهم بالتوبيخ بجرأة شديدة أمام الشاشات وهم على يقين أنّ لا خطر يرجع عليهم من ذلك التأنيب. أبطال الكنيسة هم أولئك الذين توجهوا رأسًا لمصدر الظلم وأعلنوا صوت الرب في وجههم وتحملوا انتقامهم.

من هؤلاء يوحنا الذهبي الفم الذي أنّب الامبراطورة أورثوذوكسيا

.منهم أيضًا أمبروسيوس الذي أقفل أبواب كاتدرائية ميلانو في وجه الامبراطور ثيودوسيوس الكبير “ليديه الملطختين بدماء الكورنثيين” وفرض عليه سنين من التوبة.

في عدادهم أيضًا توماس مور الذي دافع عن حقوق الكنيسة في وجه هنري الثامن.

عرفت روسيا وجهين يحبسا الأنفاس لشجاعتهم: فيليب رئيس أساقفة موسكو الذي حجب بالأنديميسي الكأس مانعًا إيفان الرهيب من التقدم لتناول سر الشكر. “على من يريد أن يتناول جسد المسيح ودمه أن يستحقهما” وفي تلك الليلة ارسل إيفان من قتل فيليب.

النموذج الروسي الآخر أقرب بنا عهدًا هو البطريرك تيخون الذي ندّد بمجازر الحرب الأهلية وبالتحديد إرتكابات الحمر الذين وصفهم في رسالته “وحوش الجنس البشري”. لم يكن تيخن ينشد أي حماية فقد أصدر رسالته من موسكو زمن لينين وتروسكي ويرينسكي.

أثمر القرن العشرين غير تيخون ممن اشتهر بجرأته أمام الطغاة. كليمنس فون غالن رئيس أساقفة منستر. ندد من الكاتدرائية بقرارات هتلر خاصة تصفية المعاقين.

 وأقرب من فون غالن عهدًا أساقفة وكهنة أميركا اللاتينية كدون كامارا.


ثانياً : كنيسة محورها ومركزها سر الأفخارستيا

الروحانية الأصلية للكنيسة هى التى تضع سر الأفخارستيا كمحور ومركز ومنبع ومصدر للحياة . لأنه فى سر الأفخارستيا الكنيسة تتأمل وتشاهد سيدها، والذى يقدم ذاته لأجلها وحباً بها. وعن طريق سر الأفخارستيا نجد التعبير الكامل عن الحب الذى يعطى ويمنح بلا حدود

ثالثاً : كنيسة منتبهه ويقظه بالروح القدس

الكنيسة التى تشعر أن دعوتها هى الحب يجب عليها أن تكون حارة بالروح القدس. ملتهبة بحضور الروح القدس فى داخلها ومنتبهة الى علامات حضوره من خلال الزمن الحاضر. وفى كل زمان ومكان.

رابعاً : كنيسة متوافقة ومتوازنة بين القول والفعل

الكنيسة التى تسعى لتقديم شهادة حية عن الحضور الالهى فى داخلها بالحب يجب أن تحرص على التوافق والاتزان والتوازن والتطابق بين ماتقوله وماتفعله، فلا تقول شيئاً أن لم يكن فعلاً.

التطابق بين الكيان والافعال، التطابق بين الكلام والاعمال، وحياة الصلاة وحياة العمل، حياة الإيمان وحياة العمل. فلا تنادى بالحب وتفعل ماهو عكس الحب، فلا تنادى بشئ وتأتى بضده أو بعكسه، وذلك حتى لاينعكس عليها وذلك بفقدان مصداقيتها فى العالم.

خامساً : كنيسة لديها معرفة وخبرة بالمسيرة الروحية 

الكنيسة هى المكان الأمثل للخبرة الروحية والمعرفة الحقيقية بما يقوم به الروح القدس فى داخلها.. ومن خبرتها تعلم مدى صعوبة ومشقة المسيرة الروحية لكثير من الناس وذلك لما تتطلبه من مثابرة وصبر وسهر … الخ .

على الكنيسة بحكم خبرتها ومعرفتها الروحية أن تسرع بمشاركة ومعاونة أبناءها فى آلامهم الروحية وتقدم لهم التشجيع والتغذية لأكمال المسيرة نحو القداسة والطريق نحو الكمال.

سادساً : كنيسة قريبة من واقع الانسان فى العالم .

الكنيسة هى على مثال عريسها وحبيبها المتجسد جداً من واقع الإنسان وفى نفس الوقت بعيدة عن واقع العالم.

حينما تقترب الكنيسة من الإنسان المعاصر تستطيع أن تخاطبه وتلمس كيانه، وذلك من خلال ثقافته وحضارته، ولكن بقوة الانجيل وجوهر كلمة الله.

فيجب على الكنيسة أن تستفيد من وضع وجودها فى العالم . وذلك بأستخدامها بعض الأساليب والوسائط البشرية الموجودة والتى تخدم كلمة الله وخدمة الأنجيل .

يمعنى أنه يجب على الكنيسة أن تقوم بتجسيد الأنجيل فى الثقافة والحضارة الموجودة فى البيئات المختلفة، وهذا لايعنى أبداً خيانه الكنيسة للأنجيل أو خيانة للتقليد والتراث.

ولكن على الكنيسة أن تفهم أن مسئوليتها تتطلب منها أن تجسد شخص المسيح فى العالم من خلال الثقافات والحضارات المختلفة والتنوع والتعدد الموجود فى العالم. وذلك دون أن تترك فرصة لذوبان الانجيل فى هذه الحضارات. فالمهمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة لأنه كيف يتجسم أو يتجسد شخص المسيح وانجيله ورسالته فى مثل هذه الحضارات دون أن يفقد أحدهم هويته. والأجابة هى كما أن اللاهوت أتحد بالناسوت دون أن يفقد أحدهما هويته فى الأخر أو بسبب الأخر.

” رغبتنا الوحيدة هى أن نشبه معلمنا المعبود الذى لم يشأ العالم التعرف إليه، لكونه لاشئ ذاته أخذآ شكل وطبيعة عبد. آه يا أخى كم أنت سعيد بأتباعك عن كثب مثل يسوع…. وعندما يخطر ببالى اللبس الصينى، أفكر تلقائياً بالمخلص المرتدى بشريتنا المسكينه، والصائر كواحد منا ليفتدى نفوسنا الى الابد، قد تحسبنى طفلة ربما، لابأس، أقر لك أنى اقترفت خطيئة جسد، حين قرأت أن شعرك سيقص لتحل مكانه ضفيرة صينيه…. ”  القديسة تريزا ليسوع الطفل

على الكنيسة المعاصرة أن تتوب وتتجدد من إتهاماتها المتبادلة بين بعض ابنائها البعض للأخر من ابنائها متهمة أياهم بالتطرف أو البدعة أو الذوبان ومسايرة روح العالم وفقدان خصائص الايمان الاساسية.

سابعاً : كنيسة لديها المهارة والقدرة للتغلغل بين الفقراء

تتمتع الكنيسة بحضور الروح القدس فيها والذي يشعل فيها نار الحب، ويلهب في قلب مؤمنيها شعلة الحب المتقدة. تتمتع الكنيسة بالعشرة والتلذذ بعريسها وحبيبها يسوع. تشعر الكنيسة بأنها محبوبة الله الاب لانها عروسة ابنه.

وخادمة ملكوت السموات. كل هذه الاشياء واشياء أخرى ايضاً كنعم وعطايا من قبل الله لها، تجعلها تملك القدرة والمهارة على اكتشاف النفوس الفقيرة وتنشغل بهم.

ان مهمة الكنيسة والتى تعبر عن إخلاصها لشخص المسيح هو اهتمامها بأخوة المسيح الذين هم الفقراء. ولا تكتف الكنيسة باكتشاف هؤلاء الفقراء بل عليها أن تتغلغل بينهم مستخدمة كل طاقاتها ومهاراتها وقوتها فى مساعدتهم بطرق خلاقه وابداعية وذلك بسبب حضور المسيح فيهم وكل حب لشخص المسيح هو حب لهؤلاء،

وكل حب لهؤلاء هو حب لشخص السيح ذاته وذلك طبقاً للأيه التى تقول كل مافعلتموه بأحد هؤلاء الصغار فبي فعلتم.

أليست الكنيسة من تعلم وتخدم وتطبب وتواسي، أليست هي التي تنهد لمواجهة الكوارث الطبيعية والاجتياحات والحروب وتتعهد المشردين وتطعم الجياع ؟

الكنيسة في “مدينة الإنسان”، حسب الاصطلاح الأوغسطيني، لا يسعها سوى التعاون مع عالم فاسد والتلوث به فلا علم لي بكنيسة لم تطرق أبواب الأثرياء. غير أنّ ما من ثروة إلا صاحبتها شبهة وما من عطاءٍ إلا وقابله عَوَض. ماذا لو كان العَوَضْ ممّا يخرجك عن القيم المسيحية؟ هل ترفضه؟ هل تساوم عليه؟ هل تقبله؟

ربما كان في فلسي الأرملة” بركة تمتد أبعد من فضلات الأغنياء.

ثامناً : كنيسة عادلة لاتميز بين أبنائها 

داخل الكنيسة الكل أخوة والكل سواء بمعنى متساويين فى كل شئ أمام الله – فلا يجب على الكنيسة أن تكون بجانب فئة دون الاخرى أو تمييز طبقة على طبقة، بل عليها أن تستقبل الجميع بطريقة متسامية لأنهم جميعاً أبنائها لهم نفس الحب .

على الكنيسة أن تهتم بالكبار والصغار معاً وتقوم بدورها نحوهم معطيه كل أحد التكوين والتعليم المناسب بروح الايمان والحب والرجاء عليها أن تسعى لوحدة ابنائها عن طريق الاسرار والشركة الاخوية بين الجميع.

فالكنيسة مسئولة عن خلاص جميع النفوس وجميع البشر وليس مسئوليتها بأبنائها من هم بداخلها بل كما يقول السيد ذاته. ولى خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة فتلك ايضاً لابد لى أن أقودها وستصغى الى صوتى فيكون هناك رعية واحدة وراع واحد.

تاسعاً : كنيسة متواضعة القلب 

العروس على شاكل العريس وشبيهه به، فاذا كان العريس فى قمة التواضع فعلى العروس الاقتداء بعريسها وتصبح أكثر أتضاعاً حتى تستطيع أن تتحد به لكى يسهل عليها المحاربة معه ضد كبرياء أبليس وأعوانه ولاجل تهذيب وتثبيت المؤمنين على التعاليم الصحيح، وفوق كل ذلك لكى تكون الاولوية للاب وحده وليس للكنيسة وحدها.

أن الطريق الصغير والنفس المتضعة هى وحدها القادرة على إعطاء الالولويه لله فى حياتها.

فحينما تفقد الكنيسة روح التواضع والاتضاع هذا معناه أنها فقدت حضور الله. أن روح الكبرياء يحجب عن النفس عمل النعمه ولايشجع الله لكي يسكب فيها روحه القدوس، وذلك لأن روح الله لايتفق مع روح الكبرياء.

النفوس الصغيرة تتمتع بحماية الله وتقدر على عمل الله وذلك بنعمة وقدرة الله وهذا مالا تستطيع عمله النفوس المريضة بالكبرياء، ،

عاشراً : كنيسة مثابرة ومجاهدة لأجل التمييز والتقييم الموضوعى للعالم

الكنيسة وضعت فى العالم أو أرادها الله فى العالم ليس لاجل الحكم عليه أو الدينونة بل عليها أن تقوم بعملية والتقييم للمؤسسات والمنشأت الموجودة فيه للتمييز والافراز، وبمعنى أخر عليها أن تبحث  لايجاد رابطة أو علاقة مع العالم، هذه الرابطة وهذه الصلة لكى تدفعها وتحثها على المشاركة الفعالة والحضور المسؤول فى داخل العالم، كما أنها مطالبة بأحترام الأختلاف التنوع والمفارقات الموجودة بينها وبين المنشأت والمؤسسات الموجود فى العالم.

الكنيسة مطالبة بالالتزام بروح الأنجيل وبالأخلاقيات والروحانيات المسيحية ومن الأفضل لها أن تذكر دائماً للكلمة التى نطق بها القديس بطرس فى أحد المحافل والتى تقول:

“أنه من الأفضل أن يطاع الله أكثر من البشر ” أع 4 : 19 .

فما سبق رأينا مقدار أمنيات الألم الذى عانته القديسة تريزا والذى فضلته دائماً لأجل خلاص البشرية جمعاء بمختلف ظروفها وهذا هو الحلم فى رؤية كنيسة تملك القدرة على خدمة المجتمع بكل مافيه من اضطرابات ومشاكل متعددة ومتولدة يومياً.

فليس الهروب من المجتمع هو الحل الأسلم، والكنيسة لاتوافق على الاطلاق بهروب بعض المسيحيين من مجتمعاتهم وواقعهم الحياتى واليومى. ولا يكون الانعزال بعيداً وعدم المشاركة مع الأخرين فى الحياة العامة.

لماذا ترفض الكنيسة الصليب المتجلى فى بعض الضيقات والصعوبات والمشاكل والاضطهاد.

ألم تعرف الكنيسة هذه الأشياء من أحاديث المسيح المختلفة مع الرسل والتلاميذ فى مواضع شتى، وبشكل خاص وهو على مقربة للانطلاق من هذا العالم وعلى سبيل المثال..”إذا أبغضكم العالم فأعلموا أنه قد  أبغضنى من قبل أن يبغضكم لو كنتم من العالم لأحب العالم ماكان له، ولكن، لأنكم لستم من العالم، اذ أنى أخترتكم من بين العالم فلذلك يبغضكم العالم،

أذكروا الكلام الذى قلته لكم ماكان الخادم أعظم من سيده. إذا أضطهدونى فسيضطهدونكم أيضاً واذا حفظوا كلامى فسيحفظون كلامكم أيضاً. لا بل سيفعلون ذلك كله بكم من أجل أسمى لانهم لايعرفون الذى أرسلنى” (يو 15 : 18 – 21 )

هل الكنيسة تعلم أنها مدعوة لتجتاز الضيقات والصعوبات والرفض على نفس المنوال والطريقة التى أجتازها يسوع ذاته. هل تعلم الكنيسة بأنها لابد لها من أن تحمل الصليب حتى تشترك مع المسيح فى الخلاص وتقديس النفوس، وخصوصاً أن هذين الأخرين لايتمان إلا بطريقة واحدة وهو الصليب،

لماذا تهرب الكنيسة من مسئوليتها الحقيقية وتبحث لنفسها عن وضع وطريقة لا تمجد الله، بل تمجدها.

لماذا لاتسير الكنيسة على خطى المسيح وفى أثره وتكتفى بأن تخترع لنفسها الاسلوب والطريقة التى تسلكها

أن دعوة الكنيسة هى دعوة للجهاد وللمثابرة وللسهر واليقظة لأجل ملكوت الله، وذلك لأن ملكوت الله يغصب والذين يغتصبونه يمتلكونه، ولان ملكوت الله يأخذ عنوه.

يوجد الكثير والذى يقال فى هذا المجال ولكن سوف أترك الباقى لوجدان الكنيسة وذاكرتها التاريخية لأكتشاف ذلك.

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: