مقالات

يسوع أبرص

كَلَّمَ الربُّ موسى وهرون، قائلاً   : »أَيُّ إِنْسان، كانَ في جِلْدِ بَدَنِه نتُؤ، أَو قُوَبآء، أَو لُمْعَة، تَؤولُ في جِلدِ بَدَنِه إِلى بَلْوىَ بَرَص، فلْيُؤتَ بِه إِلى هارونَ الكاهِن، أَو واحِدٍ مِن بَنيهِ الكَهَنَة.فالرَّجُلُ أَبرَصُ وهو نَجِس، فلْيَحكُمِ الكاهِنُ بِنَجاستِه، فإِنَّ بلواه في رأْسِه. والأبرَصُ الَّذي بِه البَلوى تكونُ ثِيابُه مُفَتَّقَة، ورأسُهُ مكشوفا، ويَلتثِمُ على شارِبَيه، ويُنادي: نَجِسٌ نَجِس. ما أَقامتْ بهِ البَلوى، يَكونُ نَجِسًا. إِنَّه نَجِس؛ فلْيُقِمْ مُنفَرِدًا، وفي خارِجِ المحلّةِ يَكونُ مُقامُه.    لاويين 13 : 1 – 2، 44 – 46.

أَيُّها الإِخوة: إِذا أَكَلتُم أَو شَرِبتُم، أَو مَهما فَعَلتُم، فَافعَلوا كُلَّ شَيء لِمَجدِ الله. لا تَكونوا عِثارًا لِليَهودِ ولا لِليُونانِيِّينَ ولا لِكنيسةِ الله،
بل اقتدوا بي، فأَنا أَيضًا أَجتَهِدُ في إِرضاءِ جَميعِ النَّاس، في كُلِّ شيَء؛ ولا أَسْعى إِلى خيري، بل إِلى خير الكَثرَةِ من النَّاس، لِينَالوا الخَلاص. اِقتَدوا بي كما أَقتَدي أَنا بِالمسيح.    1 كور : 10: 31 – 33، 11 : 1

في ذلك الزَّمان: أَتى يَسوعُ أَبرَصُ يَتَوَسَّلُ إِليه، فجَثا وقالَ له: «إِن شِئتَ فأَنتَ قادِرٌ على أَن تُبرِئَني». فأَشفَقَ عليهِ يسوع ومَدَّ يَدَه فلَمَسَه وقالَ له: «قد شِئتُ فَابرَأ» فزالَ عَنهُ البَرَصُ لِوَقِته وبَرِئ. فصَرَفَهُ يسوعُ بَعدَ ما أَنذَرَه بِلَهْجَةٍ شَديدَة فقالَ له: «إِيَّاكَ أَن تُخبِرَ أَحَدًا بِشَيء، ولَكنِ اذهَبْ إِلى الكاهن فَأَرِهِ نَفسَك، ثُمَّ قَرِّبْ عن بُرئِكَ ما أَمَرَ بِه موسى، شَهادةً لَدَيهم».أَمَّا هو، فَانصَرَفَ وَأَخَذَ يُنادي بِأَعلى صَوتِه ويُذيعُ الخَبَر، فصارَ يسوعُ لا يَستَطيعُ أَن يَدخُلَ مَدينةً عَلانِيَةً، بل كانَ يُقيمُ في ظاهِرِها في أَماكِنَ مُقفِرَة، والنَّاسُ يَأتونَه مِن كُلِّ مَكان.        مر 1: 40 – 45

في كلّ عصر مرض جديد معدي ولا يمكن شفاؤه، يتفشّى زارعاً القلق والخوف في قلوب الناس. لتفادي عدوى المرض.

تقر السلطات المحليّة قواعد صارمة للحماية.

فمنذ بضع سنوات كان مرض أنفلونزا الطيور، وقبله أي حوالى العشرين سنة كان مرض السيدا. وقبله أيضاً كان مرض السلّ أو الطاعون، إلخ. وفي الكتاب المقدّس كان مرض البرص. لقد سمعنا في القراءة الأولى القواعد المفروضة من قبل موسى لتفادي عدوى هذا المرض. في أغلب هذه الأمراض القواعد هي، إلى حد ما، نفسها:

يُقصى المريض من الحياة الاجتماعيّة الطبيعيّة. فمريض البرص هو في النهاية ضحية مزدوجة: أولاً ضحية المرض الّذي يتآكله، ويجعله يفقد أصابعه، أذنيه وأعينه، كما أنّه ضحية الإقصاء الاجتماعيّ المفروض عليه لتفادي العدوى. فهذا الأبرص الّذي يأتي إلى يسوع هو بطريقة ما ميت اجتماعياً، لا يمكن أن يكون له من علاقات إلاَّ مع برص آخرين مثله؛ كما أنّه يعلم بأنه سيموت ببطء من المرض الّذي يأكله.

ولكن لكي نفهم جيداً عمل يسوع مع هذا الأبرص، علينا أن نتذكّر بأنّه، في الكتاب المقدّس، لا وجود لمرض بحت جسديّ أو طبيّ إن صح التعبير بالمعنى الّذي نفهمه اليوم. في الكتاب المقدس لا يمكن فصل المرض عن الخطيئة، كما أنّه لا يمكن فصل الشفاء عن الخلاص. فالمرض كالشفاء مرتبطين بعمل الله. فالمريض مُعلن على أنّه نجس والشفاء لا يمكن إلاَّ أن يُنسب إلى الله.

الشفاء من البرص كان يُقارن بالقيامة من بين الأموات، وبالتالي هو من عمل الله وحده. لهذا السبب الشفاء من البرص يشكل جزءً من العلامات الّتي ترافق وصول ملكوت الله. فلكي يتمّ البرهان على قدوم الملكوت، يذكر يسوع هذه العلامات ويقولها لمن أرسلهم يوحنا المعمدان إليه: «العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون». فعمل يسوع هو إذن عمل الله نفسه. وهذا العمل هو أولاً انتهاك كبير للشريعة:

أولاً من قبل الأبرص الذي يأتي عند أقدام يسوع بينما عليه أن يبقى على مسافة معيّنة بسبب العدوى، وكذلك الأمر من قبل يسوع الّذي يلمس الأبرص النجس وبالتالي لا يجوز لمسه. بحسب عقليّة الكتاب المقدّس، يمكننا القول بأن يسوع يصبح نجساً بلمسه للأبرص. بهذا المعنى نستطيع أن نفهم قول الإنجيل: «فصارَ يسوعُ لا يَستَطيعُ أَن يَدخُلَ مَدينةً عَلانِيَةً، بل كانَ يُقيمُ في ظاهِرِها في أَماكِنَ مُقفِرَة، والنَّاسُ يَأتونَه مِن كُلِّ مَكان». كما لو أنَّ يسوع أصبح أبرص. والقديس بطرس يقول في رسالته الأولى: «وهو الَّذي حَمَلَ خَطايانا في جَسَدِه على الخَشَبة لِكَي نَموتَ عن خَطايانا فنَحْيا لِلبِرّ».

ينفتح طريقان لكلّ واحد منّا لاستقبال عمل يسوع في حياتنا:

الطريق الأوّل القبول بأنّنا بُرص وأن نقول على مثاله: «إن شئت فأنت قادر أن تبرئني».

القبول بالمجيء إلى يسوع كما نحن؛ أن نثق فعلياً بالله الّذي يستقبل ظلماتنا و زوايا حياتنا كما هي. لابد من التنويه هنا إلى أنّ هذا الموقف يشكّل مفارقة قوية مع أغلبية الأديان الّتي تطلب على العكس، أن نكون أولاً أطهاراً قبل التقدّم من الله.

ففي المسيحيّة الأمر مختلف: البرص والعرج، البغايا والأنجاس من كلّ الفئات هم مستقبلين ومعافين من قبل يسوع. في المسيحيّة الله هو الّذي يشفي. وفي كلّ أفخارستيا، قبل المناولة، الليتورجيا تجعلنا نقول: «يا رب لست مستحقاً أن تدخل تحت سقف بيتي لكن قلّ كلمة واحدة فتبرئ نفسي».

الطريق الثاني هو أن نكون بدورنا المسيح الّذي يمسّ الأبرص.

أن ننتهك نحن الشريعة بطريقتنا، الحواجز، والأحكام المُسبقة، والإقصاء بكل أشكاله في العائلة، والحي، والمدرسة أو في العمل لاستقبال وللإصغاء والمساعدة؛ بإيجادنا طُرق الاحترام والحوار؛ بغرفنا قوّة الحبّ من صداقتنا مع المسيح وفي صلاة كلها ثقة:

«بالقرب منك توجد المغفرة: كل شفاء وكل نعمة».

الأب رامي الياس اليسوعيّ

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: