مقالات

ملعونة هي حكمة بيلاطس

يجلس الوالي الروماني في حالة توجس منتظرا من عسي أن يكون ذلك الرسول و ما رسالته؟ ثم  يدخل الرسول. إنه رسول قيصر لاريب فيه  ! لابد أن الأمر خطير . يتسلم الوالي الرسالة بيده مستخدما ذلك الخنجر الذهبي الملقي علي الطاولة كي يحل شريط الرسالة ويقرأ ما بداخلها أنه قيصر بالفعل  يبعث متسائلا عن تلك الأحداث الأخيرة و ما أثير حول ذلك النجار الناصري ومحاولاته أن يبسط نفوذه علي يهود الولاية موجها إليه في نهاية  الرسالة خطاب شديد اللهجة

أعلم أننا لن نسمح بنشوب الفتنة مرة أخرة كما حدث في السابق فاليهودية من الولايات الحدودية شديدة الأهمية للأمبراطورية الرومانية . أعلم أيضا أن مستقبلك العسكري علي المحك فأنتبة و تعامل مع الأمر بحكمة !

طيباريوس قيصر”

ينهي بيلاطس الرسالة و قد أستولى علية الرعب الشديد، ما عساه أن يفعل الآن وقد علم قيصر بأمر يسوع ؟ .

ثم يخاطب نفسة قائلاٌ  ” الفتنة آتية لا محالة إن لم أطلق باراباس و أصلب المسيح. اللعنة، اللعنة علي هؤلاء اليهود لقد تجرأوا علي أنا وهددوني، كلمات ذلك الشيطان العجوز قيافا لا تزال تتكرر في أذني “إن أطلقت هذا فلست محبا لقيصر . كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر”

يصمت لحظة و ينظر إلي ذلك الشاب الفقير الواقف في ذلك الركن من القصر و قد خضب دمه رداءة الأرجواني بعد أن أمر بجلده لعل ذلك يهدّئ اليهود .

” و لكن هذا الشاب لا ذنب له لا أجد أي علة  تستوجب الموت حتي زوجتي التي لا تعلم عن الأمر شيئا قد أرسلت تحذرني أن أمسه بسوء بعد أن تعذبت بسببه في حلم، لابد أنها الالهه تبعث إلي برسالة هي الأخرى . لا كلا أنا رجل حرب يجب أن أفكر بحكمة كما تعلمت في روما و الحكمة تقتضي أن يقتل المسيح حتي لا نهلك جميعا و ما المانع فقد مات الألاف من جنودنا البواسل في حروبنا مع البربر في الولايات الشمالية كي ننعم كلنا بالسلام فما المانع أن يضحي هو أيضا حتي لا تعم الفوضي . نعم هكذا يجب أن يعالج القائد الروماني أموره لا من خلال أحاسيس وأحلام ساذجة . كان يجب على يسوع أن يقتدي بما علمّه هو نفسه ” وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفاً؟  وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذَلِكَ بَعِيداً يُرْسِلُ سَفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ. ” هو الذي ذهب بقدميه للصليب ليس الذنب ذنبي . علي أي حال سوف أغسل يدي أمام الجميع من دم يسوع  كي يستريح ضميري     ”

وبنظرة  واثقة ينادي بصوتة الأجش “يا سوفرينيوس”

الجندي : نعم سيدي

بيلاطس : اذهب بيسوع كي يصلب اليوم  مع اللصين اللذين أمسكنا بهما من قبل. (ثم يتمتم قائلا) فلتسامحني الألهه ولكن تلك هي مقتضيات الحكمة

و هكذا قرر الوالي الروماني ألا يدعم المسيح فهو قضية خاسرة تماما و من الأجدر به أن يدعم الحصان الرابح إن أراد أن يحتفظ بكرسي الولاية ويضمن لأولاده حياة كريمة من بعده وكون المسيح رجلا بارا أم لا  لا يغير في الأمر شيء  .

هذا ما قد حدث منذ ما يقرب من ألفي عام تقريبا و لكنني لم أكن لأتصور أن نفس المشهد سوف يعاد إنتاجة أمامي مرة أخرى إذ بعث لي صديق بالقائمة التي أعددتها لجنة المواطنة في الكنيسة – لن أناقش هنا تدخل الكنيسة في الحياة السياسية لأنني قد سئمت تلك المناقشة ما علينا –  باسماء المرشحين الذين سوف تدعمهم الكنيسة في الأنتخابات عن “القاهرة الثانيه 3″ و” القاهرة الثانية  4″. و كانت الصاعقة عندما قرأت أسماء هؤلاء المعتدلين علي حد قول أحد أعضاء تلك اللجنة، ثلاثة من الأربعة ليسوا فقط فلولا أنما فاسدين تاجروا بقوة هذا الشعب أمثال فوزي السيد الملقب بـ”حوت مدينة نصر” و لا أدري ما هي نوعية المرشحين المدعومين في الدوائر الأخري ولكن الفحص السريع أوضح أنه علي الأقل 35% منهم كان تابعا للحزب الوطني ما بين عضو مجلس محلي أو مرشح  أو عضو شعب أو شورى ومن الأسماء التي أذهلتني حقا ” طارق طلعت مصطفى ” !!!

و كان علينا أنا  أصدقائي قبل أن نستسلم لغضبنا العارم أن نستوضح الأمر “هو فيه إيه !!!” و بعد أن وصلنا إلي أشخاص قريبين من صنع القرار جاءت الكلمات مختلفة ولكن الرسالة واحدة ” مش هنقدر نساند العيال بتوع الثورة. عيال صغيرة وعضمها طري والإخوان حيطحنوهم كان لازم نساعد أي حد ممكن يكسب قدام الأخوان  حتي لو كان حرامي معلهش بقى ربنا يسمحنا بس عشان نضمن للأقباط حياة كريمة و ميتبهدلوش!!! ”  و إذا بي أجد نفسي في بلاط اليهودية الروماني قبل ألفي عام من اليوم وأرى بيلاطس جديدا لا يبالي بشىء إلا مصلحته الشخصية هو والمقربين منه ملتمسا لنفسه أعذارا واهية لفعلته هذة مسميا إياها “حكمة”  . أري بيلاطس جديدا يسلم حق شباب ماتوا من أجل هذا الوطن إلي الصليب كي ينجو بنفسه . أري بيلاطس جديدا يعلم تماما من هو الجاني ولكنه يقتل المجني عليه . أري بيلاطس جديدا يطلب الغفران من الآلهى ويغسل يديه من دم البار .

رحم الله كنيسة الأسكندرية التي أخرجت للمسيحية بل للمسكونة كلها رجلا مثل الأنبا أثانسيوس، رجلا وقف في مقابل العالم كله بل في وجه الأمبراطور عينه حتي يحفظ لنا إيمانا نقيا حتي لو عرّض نفسه وكنيسته للخطر . ما يحدث الأن لا يختلف في قليل أو كثير عن بدعة أريوس فالإيمان ليس فقط عقيدة التثليث والتوحيد إذ أن تعاليم السيد المسيح التي تنتهك الأن هي جزء أصيل من الإيمان . أليس هو السيد المسيح من علمنا أنه “هو الطريق والحق والحياة  ” ؟  فأي حق هذا الذي ندافع عنة الان ؟ أليس هو من وضع نفسه مدافعا عن الخطاة والمستضعفين من بطش الكهنة ؟ فعن أي جانب ندافع نحن الان ؟ أليس هو من علمنا أنه لا فائدة إذا ربح الانسان كل كنوز الدنيا و خسر نفسه ؟ فأي مكسب نبحث عنه الان ؟ . ألم يتصور أحد هؤلاء صانعي القرار القبطي – إن صح التعبير – السيد المسيح واقفا بجواره والجروح تغطي جسده وهو ينادي بعتق بارباس هذا الزمان من أمثال هؤلاء المجرمين ؟ .

هل أتضح لكم الآن أنها لم تكن أبدا مساندة للمرشحين الليبراليين  المعتدلين وإنما فقط ميكافيلية مقنّعة . لكنني في النهاية أحب أن أقول شيئا واحدا: المسيح قام رغم كل المؤامرات و لم يبقَ  لبيلاطس إلا أن يكون أشهر الانتهازيين علي مر العصور. حتما سوف يعود حق هذا الشعب الضائع يوما ما وأقول كل الشعب مسلم و مسيحي علي حد سواء لأن في النهاية  الله هو “قاضي اليتامى والأرامل” . أكتب هذه الكلمات أيضا وأنا لا أحمل كرها إلي شخص بذاته فجميعنا معرضون للخطء فلا أحد كامل غير الله ولكن و بكل التأكيد أعلن كرهي ورفضي الشديدين لما يحدث.

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: