مقالات

عن لاهوت التحرير

عن كتاب “لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية” للأب وليم سيدهم*

*أي تشابه بين ملابسات و توصيفات هذا النص و واقعنا الذي تحياه الكنيسة و الشعب المصري بشكل عام ليس محض صدفة

الموقف الخاص ببناء الأخوة في أمريكا اللاتينية

إن الانتماء إلى الكنيسة في أمريكا اللاتينية يعني التزام المسيحي بأن يتخذ موقفا من الظلم الاجتماعي الذي تعانيه قطاعات عريضة من الشعب وعليه كذلك أن يتخذ موققا من القوى التي تحاول أن تضع حدا لهذا الظلم وأول خطوة في هذا الاتجاه هي الاعتراف بتواضع بأن للكنيسة الرسمية موقفا من الأوضاع الحالية علماً بانها متحالفة مع النظام الاجتماعي والسياسي القائم لا بل تضفي صفة القداسة على أبشع أصناف العنف بمساندتها الأقوياء على الضعفاء
إن الحماية التي تتلقاها الكنيسة من الطبقة الاجتماعية المستفيدة من الوضع القائم تتلقاها بصفتها مدافعة عن المجتمع الرأسمالي المسيطر في أمريكا اللاتينية وهذا ما يجعل الكنيسة الرسمية نفسها جزءا من النظام القائم وبناء على ذلك أصبحت الرسالة المسيحية مجرد عنصر من عناصر الإيديولوجية المسيطرة كما أن المقولة السائدة التى ترددها الكنيسة عن موقفها وهي أنها لا دخل لها في السياسة ليست إلا شعارا هدفه تغيطة الأمور والحفاظ على سياسة الأمر الواقع فلا يمكن أن نحدد رسالة الكنيسة بطريقة نظرية مجودة بل من الناحية العملية. ففي الواقع نجد أن للكنيسة الرسمية شبكة كبيرة من العلاقات الاجتماعية  و العديد من الإمكانيات التاريخية الفاعلة
وهذه العلاقات الاجتماعية تتمثل في روابطها مع مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية سواء الغنية المسيطرة أم الفقيرة المحرومة وسواء عن طريق مؤسساتها التربوية والكنسية كالجامعات والمدارس والجمعيات الخيرية إلخ أم عن طريق مؤسسات الدولة التي تربطها بها علاقات تاريخية ودينية جميع هذه العلاقات و الإمكانيات ضرورية للمساهمة في رسالة التحرير وهذه الضرورة لا تنبع فقط من كونها وسائل رعوية عليها أن تتأقلم مع الاحتياجات الحالية لعالم اليوم بل هي ضرورية أيضا لأنه يجب أن تكون مادة حية تلهم الدراسات اللاهوتية

بناء الأخوة وازدواجية موقف الكنيسة

إن الكنيسة الرسمية في أمريكا اللاتينية نجد نفسها الآن في مأزق فإنها إن ساندت الاتجاه الذي يدافع عن العدالة تفقد مساندة السلطة القائمة لها وكيف تتبرأ من هذه السلطة المسيطرة وهي التي تباركها وتعتبر نفسها جزئا هاما منها ولكن من جهة أخرى وفي الوقت نفسه مطلوب منها أن تعلن بشارة الإنجيل والبشارة الإنجيلية لا تتم بصفة مجمدة بل هى تتجسد في واقع اجتماعي معين. البشارة الصحيحة تتطلب الشروع فى التنديد بالنظام المسيطر الظالم وهذا يعني أن تندد الكنيسة بنفسها أولا وبتصرفاتها
ان المشكلة الحقيقية التي تعانيها الكنيسة الرسمية لا تكمن في كيفية استخدام نفوذها لمساندة التغيير الثوروي الذي يطالب به المسيحيون فيها بل تقوم على اتخاذ موقف من النظإم القائم فهناك وضع اجتماعي قائم فعلا وليس المطلوب من الكنيسة أن تخلقه بل  تساهم في تغييره إلى الأفضل إنها مسألة واقع تاريخي ظالم و قائم لا يمكن القفز فوقه أو تجاهل وجوده ومهمة الكنيسة في أمريكا اللاتينية هي مواصلة رسالتها الخلاصية لبناء الأخوة الإنسانية في هذا الواقع عينه
إن بناء الأخوة يتطلب من الكنيسة في أمريكا اللاتينية أن تنطلق بما تملكه من إمكانيات روحية ومادية لتقوم بدورها النبوي في التنديد بكل المواقف اللاإنسانية التي تدمر الاخوة الإنسانية كما أن على الكنيسة أن ترفض مباركة المؤسسات الطاغية وتقديسها وهي التي  كانت قد ساهمت في صنعها هذا هو دورها حين يصطدم ايمانها بواقعها الاجتماعي الذي تعيش فيه وهذا التنديد يجب أن يؤدي إلى المطالبة بتغيير النظام القائم في أمريكا اللاتينية تغييرا جذريا وبهذه الطريقة ففط يمكنها أن تخرج من دائرتها الضيقة المحصورة في مشاكلها الكنسية فتدخل في إطار أعم في الواقع الاجتماعي الحقيقي الشامل الذي تعيش فيه لتصل إلى الالتزام الحقيقي في عالم يعج بالثورة
ان الكنيسة كمنبر نقدي لا بد أن تتحول من التجريد النظري إلى التجسيد في الواقع العملي فعليها لا أن تعلن الحقيقة الإنجيلية فقط بل أن تعيشها أيضا وإن طبقنا ذلك على الوضع في أمريكا اللاتينية فإنه لا يكفي فضح الواقع الاجتماعي الظالم من خلال الخطب الرنانة أو بالنصوص والوئائق الرسمية أو غيرها، بل بتبني الموقف الفعال وبالممارسة النضالية ولأن للكنيسة الرسمية في أمريكا اللاتينية ثقلها الاجتماعي والمعنوي والروحي فإن هذا يزيد من مسؤوليتها كما أن كلمتها حينما تكون شفافة يكون لها تأثير كبير في المجتمع. إن النقد الذي تقوم به الكنيسة هو إعلان محبة الله للجميع إزاء موقف يناقض هذا الاعلان فحينما تقوم الكنيسة بالنقد فإنها تقوم بدورها النبوي النابع من حب الله الأبوي الذي يدعو إليه جميع  الناس في المسيح بواسطة الروح القدس فهو الذي يدعو الجميع الى الاتحاد بعضهم مع بعض كما يدعو جميع الناس إلى الاتحاد به أيضا.
و إعلان البشرى للناس هو في الوقت نفسه إعلان عن أن حب الله حاضر في صيرورة الإنسان التاريخية وأن الكنيسة هي فعلآ سر التاريخ إذ إنها تقوم بدورها كجماعة بشرية تشير إلى دعوة البشرية بأسرها إلى الاتحاد بالله هذا هو إعلان الملكوت فيصبح الإنجيل عاملا قويا للتوعية وبفضله يعرف الناس ما لوجودهم التاريخي من معنى عميق فيعيشون على الرجاء الخالق في تمام تحقيق الأخوة التي يسعون إليها بكل قواهم

بناء الأخوة والتوعية الإنجيلية على أنها عامل تحرير  لا عامل تخدير

1. يصبح لكلمة الله وقع تحريري حين يتم إعلان البشارة من صميم الواقع الاجتماعي وذلك حين يتضامن المسيحيون مع المستغَلين لا مع المستغِلين. ويمكن للمرء أن يلاحظ الفرق في موقف أصحاب السلطة في البلاد الأمريكية اللاتينية من نوعين من إعلان البشارة: النوع الأول هو الذي دعا فيه البابا بيوس الثاني عشر إلى ضرورة إعلان البشارة بواسطة تبني التمدين وهو يحتوي على قيم حضارية جيدة والنوع الثاني هو الذي ينادي به لاهوت التحرير  وهو إعلان البشارة بالتسييس (أي اعتبار الجانب السياسي للبشر كعنصر هام في عملية التحرير). فقد قبل أصحاب السلطة البشارة بالتمدين لانها لم تمسق امتيازات الأغنياء وأصحاب السلطة أنفسهم ونظرتهم الأخلاقية أما النوع الثانى فقد رفضه أصحاب هذه الامتيازات لأنه يجذر مطلب التغيير كما أنه يفضح العنف المؤسسي (عنف السلطات التنفيذية) والمعايير المرتبطة بأصحاب هذه الامتيازات

2. محاذير التسييس الانجيلي: إن لاهوت التحرير هو على وعي للمحاذير المحيطة باقحام الإنجيل في السياسة وهو يرى أنه عندما يقال سواء من داخل الكنيسة أم من خارجها إن الكنيسة تسيس الناس حين تبشرهم بالإنجيل فإن لاهوت التحرير يعترف بوجود ذلك البعد في الإنجيل كله دون أن يحوله الى مجرد سياسة بل يعترف بأن رسالة الحب الكلي النابعة من الإنجيل تمتلك بعدا سياسيا حقيقيا وهذا البعد قائم في الواقع وذلك لأن بشارة الكنيسة تتوجه إلى أناس يعيشون في مجتمع معين ويخضعون لشبكة من العلاقات الاجتماعية ويرتبطون بظروف لاإنسانية على الأقل في حالة أمريكا اللاتينية هذا فضلا عن أن الذين يوجهون النقد إلى لاهوت التحرير لانه يحول الإنجيل إلى سياسة لم يوجهوا النقد نفسه إلى شعار التمدين الذي نادى به بيوس الثاني عشر لأنه لم يضعهم هم أنفسهم في موضع النقد أما شعار التسييس فسيمكن المستغَلين على الأقل من الإشارة إلى المستغِل بصفته إنسانا حقيقيا وإلى مطالبته برفع قيوده عنهم

3. التوعية الإنجيلية وحاجة الكنيسة إلى تغيير أسلوب عملها الرعوي: إن هذا البعد الخاص بالتوعية النابعة عن البشارة بالإنجيل سيفرض على الكنيسة كمؤسسة وكشعب أن تجد أساليب جديدة في العمل الرعوي وهذه الأساليب غالبا ما يتحمل مسؤولية اكتشافها الفقراء والمطحونون أنفسهم الذين من أجلهم جاء المسيح وأخطر من ذلك فان هذا الوعي سيمكن الفقراء والذين لا صوت لهم من كسر احتكار تفسير الإنجيل الذي كان يقوم به أصحاب السلطة من حكام ورجال دين تابعين لهم مستغلين إياه لتبرير هذا الاحتكار، كما أئه يؤدي إلى تغيير وجه الكنيسة نفسها وتغيير بنيتها وطريقة تعليمها فتصبح كنيسة غير متعالية على الشعب بل مندمجة فيه ومعبرة بصدق عن مصالحه و أمينة لروح الانجيل ويجب أن نشير إلى أن الوعي الذي نتحدث عنه يختلف عن التنديد فالتنديد بالأوضاع الظالمة في المجتمع هو عنصر من عناصر الوعي الإنجيلي الذي هو بمثابة طريقة جديدة لفهم الحياة بجميع أبعادها انطلاقا من القراءة الجديدة للانجيل كما تحدثنا عنها سابقا

4. محاذير التجريد الإيديولوجي للانجيل يرى لاهوتيو التحرير أن البشارة المسيحية معرضة للتحول تحت الضغوط الثورية التي تعانيها أمريكا اللاتينية الى مجرد أيديولوجية ثورية. و يعترف لاهوتيو التحرير بأن هذا الخطر قائم فعلا فيجب أخذه في الاعتبار ولكنهم من زاوية أخرى يرفضون أن يجعلوا من هذا الخطر مبررا لدفن الرؤوس في الرمال وعدم مواجهة الواقع بكل تعقيداته كما أنهم ولا سيما المتشددون منهم والمتخوفون (مستغلي الدين الذين يستخدمون الدين لتبرير تجاوزاتهم) من هذا الخطر يطلبون ألا يوجه النصح إلى الآخرين خاصة وأنهم كانوا أول من استفاد من هذا البعد الإيديولوجي ومن جهة أخرى يرى أنصار لاهوت التحرير أن الروحانية الصحيحة تنبع من صميم مثل هذه الأخطار وأن إعلان الرسالة المسيحية الحقيقي لا يخشى المواجهة لانه يتجسد في الواقع المعاش بمخاطره لا بل إن هذه المواجهة تصقله وتبرهن على فاعليته فالضمان الوحيد لتفادي البقاء في النطاق الإيديولوجي هو الايمان بأن الله حاضر في قلب جميع هذه الظروف الصعبة كما يرى أنصار لاهوت التحرير أن هناك أشكالا متعددة للنقد تختلف باختلاف التعبير عنه وأن لاهوت التحرير هو واحد من هذه الأشكال أما ضمان صحة هذا النقد وانطباقه على الأوضاع السياسية والكنسية فهو ينبع من تمييز علامات الأزمنة بحسب روح الإنجيل كما يرى أنصار لاهوت التحرير أن المحاولة والخطأ في معالجة القضايا التي يفرزها الواقع المعاش هي الوسيلة التي يستند إليها المؤمن للرد على تساؤلات هذا الواقع المعاش ويصعب على أمريكا اللاتينية في الظروف الحالية أن تحدد الإجابات الجاهزة والمسبقة والمطلقة على مواقف ما زالت في حالة التشكل فالمطوب فقط هو أن تكون هذه المواقف أمينة لروح الانجيل

5. التردد في المواقف الصعبة لا يعفي من المواجهة على الكنيسة أن تتمسك بنظرها إلى التاريخ وإلى الإنسان نظرة شاملة وتأخذ هذه الشمولية في الاعتبار ولا تغفل الهدف النهائي الذي رسمه المسيح الفادي للانسان الجديد وهو تحقيق الملكوت في الصيرورة التاريخية وهذه النظرة الشمولية ستساعد الكنيسة نفسها على تحقيق تلك الصيرورة وتجسيدها في المواقف الجزئية فطابع رسالة المسيح النبوي يأخذ معناه من توججهه الأخروي و لذلك تعتقد الكنيسة و بحق بأن مادام التاريخ لم يصل الى نهايته الأخروية فانه لن يصل إلى تمام نضجه وبهذا المعنى فأمام كل مرحلة تاربخية معينة تجد الكنيسة نفسها أمام إمكانيات واسعة للتقدم نحو الكمال إن تأكيد الكنيسة أهمية بناء الأخوية البشرية لأمر ممكن ولكن هذا الهدف يجذر التزام المسيحي في اللحظة التاريخية التي يعيشها فالتاريخ هو الإطار الذي تجسد وما زال يتجسد فيه حب الله للانسان وفي الوقت نفسه هو الإطار الذي يتم فيه تفبل الإنسان لهذا الحب الإلهي

ان كل محاولة للهرب من ميدان مكافحة العنف والاغتراب المتمثلين في السلطة الطاغية لهو عدم أمانة لله وهذا الكفاح يتخذ أشكالاً متعددة بدءاً من التنديد بالظلم و التوعية لأسباب هذا الظلم الاقتصادية والسياسية، و المقاطعة و التنظيم  مرورا بالتشييد وبناء الإطارات والهياكل الشعبية الجديدة التي تتناسب متطلعات الشعوب المقهورة في الحصول على حقوقها وذلك لأن معرفة الله تعني العمل على تحقيق العدالة بين الناس وليس هناك طريقة أخرى للوصول إلى هذا الهدف

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: