مقالات

الله محبة. والكنيسة؟

القيادات الكنسية: حان الوقت لمراجعة النفس

القيادات الكنسية انتزعت لنفسها مجمل التمثيل الكنسي. حينما يتحدث أسقف أو رئيس أساقفة يقال بلا أي تردد: “قالت الكنيسة… عملت الكنيسة”. ولكن إن دار الحديث عن تصريحات أصدرها مسيحي أو مجموعة علمانيين، لا بد دائما من التوضيح: “هذا الكلام لا يمثل الكنيسة” أو “ليس فكر الكنيسة”. إن الوضع خطير لأنه يمثل انتقالا من اكليسيولوجية الشركة إلى نظرية السلطة كمبدأ تفسيري سواء لاهوتي أو كنسي. في الحقيقة، ليس الأمر كذلك. القيادات أو السلطة في الكنيسة لا تستطيع أن تنفذ الكنيسة لأنها ليست إلا عنصرا واحدا ضمن شعب الله.

السلطات الكنسية في خدمة الشعب

سبب وجود الكنيسة ليس القيادات التي مكانها داخل إطار الكنيسة وهدفها هو خدمتها. وجود القيادات ليس غاية في حد ذاته إنما هو لخدمة الشعب. في ملكوت السموات القيادات ستبطل أما الباقي فهو الشعب.

إرادة السلطة الكنسية هي إرادة الله؟

القيادات الكنسية تطالب الناس أن تقترب منها وأن تكرمها التكريم المطلوب وأن تسمع تعاليمها التي دائما ما تُقدم على أنها “كلمة الله” بينما كثيرا ما ليست إلا كلاما فارغا. اليوم كثيرا ما تجد السلطة في يد كنسيين مصابين بمرض النرجسية يعيشون مغذين مجدهم الباطل الذي يطابقونه بمجد الله. النتيجة الحتمية هي المعادلة التالية: “إرادة القيادات الكنسية هي ذاتها مشيئة الله”. من يستطيع إذن أن يعترض على الله؟ والنتيجة لهذا الكلام أيضا هي أن من يعترض على القيادات يعترض على الله ذاته. المأساة خطيرة جدا وعميقة للغاية لأن القيادات كثيرا ما تقدم كلمتها وأفكارها وفلسفتها على أنها كلمة الله وكذلك أخلاقها تلك التي من عادتها أن تنتهكها هي نفسها أولا دون خجل خاصة وإن تعلق الأمر بمنفعة مادية فورية.

الانشقاق داخل الكنيسة

القيادات الكنسية هي سلطة تتغذى بالسلطة وبقواعد السلطة التي بطبيعتها غير انسانية وعنيفة وعديمة الرحمة. أهمّ صفة للرجل الكنسي الراغب في الصعود هو صغر القلب وضيق الفكر. لذلك نحن نشهد الآن مأساة لا تلمس قلوب رؤساء الكهنة ولا الكتبة ولا الفريسيين الحاليين: مأساة الانشقاق داخل الكنيسة. انشقاق يحدث بطريقة معكوسة: كانت الانشقاقات قديما تحدث حينما تبعد جماعة هراطقة من الفكر والممارسة الرسميين وبالتالي يتم إدانتهم وطردهم من الجماعة الكنسية الرسمية. اليوم ما يحدث هو العكس: تبعد القيادات عن شعب الله وتسير في طريق خاص بها يبعدها أكثر فأكثر عن الإنجيل وعن اللاهوت الأرثذوكسي نفسه الذي تدعي أنها تدافع عنه.

المعترضون هم الذين تهمهم الكنيسة

كل يوم نختبر أن شعب الله يذهب إلى طريقه تاركا القيادات الكنسية تذهب في طريقها الخاص. شعب أصبح لا يعترض على أساقفته ولا يهتم بوثائقه الرسمية. إنها لمفارقة حقا أن الذين يعترضون على القيادات جهرا وعلنا هم اليوم فقط الذين يعترفون بوظيفتها القيادية فيصبح اعتراضهم صرخة ألم وفعل محبة يسمع صداه في مكان لكن بلا جدوى. ولكن تعتبر القيادات أبسط الاعتراضات هجوما خائنا يكاد يكون تهديدا مباشرا لسلطتها التي تعتبرها مطلقة لا جدال فيها. المعادلة صعبة جدا: من يعترض على القيادات يعترض على الله نفسه.

زمن التسلط قد انتهى

لم تفهم القيادات الكنسية – لكن ستفهم فيما بعد بفعل الأيام – أن زمن التسلط قد انتهى إلى الأبد لأنه ليس الزمن وحده هو الذي تغير بل الكنيسة نفسها ورؤية المعمّدين وغير المؤمنين لها. اليوم أصبحت الأدوات المتوفرة لقراءة وفهم الكتاب المقدس أكثر تطورا وانتشارا ولا يلزم اللجوء إلى الوساطة الكنسية التي أبقت الرعية دائما في حالة الجهل والتبعية.

عدم المبالاة بما تنتجه القيادات من أعمال وتصريحات وكتابات رسمية لا أحد يقرأها هي أكثر خطورة من الاعتراض نفسه. الاعتراض لا يزال نوعا من العلاقة أما عدم المبالاة فهو إنكار وقطع كل العلاقات. من جانبها، تركت القيادات دورها القيادي للشعب السائر في الطريق وتخندقت وراء الدفاع عن مبادئ تصفها بأنها غير قابلة للنقاش وتلتزم بكل الطرق بفرضها على الجميع. فلا يعود الأساقفة في هذا السياق يشاركون البابا في خدمة الحق إنما يصبحون مجرد ولاة يخضعون لمؤسسة تتصف بالهرمية الشديدة.

لكي تحيا، تحتاج المؤسسات الدينية إلى سلطتها الخاصة والسلطة السياسية والاقتصادية فهي كلها في النهاية ضرورية لبعضها البعض لأنها تساند بعضها بعضا. فليست الأخلاق وحب العدل إلا اكسسوارات لا تهم إلا الغير أي الرعية. وليس صدفة أن كان قصر الأسقف وقصر الأمير في أوربا قديما دائما مبنيين واحد بجانب الآخر. قديما في بابل أو مصر كان المكانان يتعايشان في تكافل تام أما في زمن المسيحية فهما يحاولان بكافة الطرق أن يظلا قريبين من بعضهما البعض كأنهما أوعية متصلة يفضي بعضها إلى بعض مصالح وامتيازات مشتركة لا بد من الحفاظ عليها بأي ثمن.

في إطار هذا الدين الدنوي الذي يمثل الذراع الأيمن للسلطة السياسية لا مكان لإله الرحمة والسلام لأن من الضرورة بمكان إظهار الوجه الغضوب للإله الذي يرى ويدين كل شيء بصرامة شديدة وإن كان أحيانا بشيء من اللطف. لا بأس أن يغمض الإكليروس عينا عن تكرار الخطية شريطة أن يبقى تأنيب الضمير الذي يفرض على التائب الركوع الدائم أمام السلطة التي أحيل إليها ليس سلطة الغفران وإنما سلطة الحل لأن الغفران ينبع من المحبة أما الحل فيتأتى من القانون.

الله محبة أم عدل؟

في رأي الدين، لا يستطيع الله أن يكون محبة لأنه عدل فقط. هذا العدل لا يتم فهمه كالعدل الكتابي وإنما القانوني: لكل خطأ عقوبة. ولكن في الكتاب المقدس الله عادل لأنه غفور ويغفر لأن الرحمة هي طبيعة الله نفسه المعلن في الوجه الانساني ليسوع الناصري. حينما تفرض القيادات الكنسية منظومة مبادئها التي وإن كانت مشروعة إلا أنها ليست الوحيدة، تنكر مشقة البحث عن الحق ونمو الضمير الانساني ويخفي وجه الله الرحوم. إن كانت الكلمة الأخيرة للبابا فلا داعي للمجامع والأساقفة وهي كلها أمور يتم تأييدها لأنها تمثل انبعاثا طبيعيا للسلطة البابوية. فلا يعود الأساقفة رعاة وإنما مجرد ولاة يراقبون الوضع المحلي لصالح السلطة المركزية من أجل تسلط أفضل والحفاظ على النظام.

السلطة والنبوة

أمام هذا الواقع، تتنازل القيادات عن كونها نبوية لأن النبوة في حد ذاتها موتها كونها الضمير النقدي لخطية الاكليروس. النبوة مؤسسة على الحرية لأنها تبشر بكلمة توهب وليس بسلطة تؤيَّد وتغذَّى. النبوة محرِّرة لأنها لا مصلحة لها إلا إعلان الحق وهي مبنية على مصداقية الملعِن. النبوة هي السيف ذو الحدين الذي يتحدث عنه الإنجيل. ولكن في الكنيسة لا مكان للأنبياء لأنهم يعتبرون خطرا لا بد من استئصاله وهو حي مع التحفظ بإمكانية تقديسهم بعد مماتهم حينما يصبحون غير قادرين على الضرر فيتم إلحاقهم بالنظام محولين إياهم إلى عناصر وظيفية للنظام نفسه. النبوة تسود عليها دائما الكنيسة كمؤسسة ونظام وسيطرة ومؤسسة هرمية واقتصاد وسلطة ابتزاز.

المؤسسة الدينية تتظاهر بأنها تؤمن بالله فأين الإيمان بالله حينما يجلس البابا والأساقفة مع المتسلطين والأغنياء في حين أنهم يدينون الفقراء الذين أحبهم يسوع؟ هكذا تفقد القيادات حق إعلان كلمة الله ولا تقدر على إعلان إله الرحمة الذي أتى لافتقاد الفقراء والمطرودين والمهاجرين والمساجين والذين لا اسم لهم.

إنجيل الرحمة يمثل مشكلة لأصحاب السلطة

إنجيل الرحمة يمثل مشكلة بالنسبة لهؤلاء لأنه يبين إنسانية الإنجيل وأولوية الوقوف إلى جانب الآخِرين والفقراء لأن الأغنياء والأقوياء “قد استوفوا أجرهم” (مت ٦:٢،٥،١٦). الإعلان بأن الله محبة وغفران يعني خلع كل ثوب مزركش وارتداء المُسوح، التحرر من كل المظاهر لدخول تلك الغرفة التي لا يراها إلا الله (مت ٦:٦)، عدم استغلال اسم الله في كل مناسبة لكن السلوك كرجال ونساء في العالم يسيرون نحو جبل الرب بحثا عن وجه الله الذي هو يسوع المسيح الفقير، الوديع، شاعر السلام، المطرود، الطاهر، رجل الآلام الذي يحمل على كتفه آلام العالم أجمع.

الكنيسة التي نحبها

ولكن هناك كنيسة أخرى حية خفية ومنتشرة، تمتاز عن كنيسة السلطة، تعيش كل يوم من خدمة الناس والمجانية والمحبة التي دون مقابل. إنها كنيسة الفقراء والنساء اللائي يعملن ويربين أطفالهن بطرق معوجة لا يستطيع أي صاحب سلطة أو أي بابا أو أي أسقف ذو الثياب الفضفاضة أن يتخيلها حتى. إنها كنيسة الأمهات والآباء الذين كثيرا ما ليس لهم عمل أو توقعات عمل والذين يتفانون في إعطاء معنى لحياتهم الثقيلة والمرهقة جدا.

إنها كنيسة الرجال والنساء المطلقين الذين لم يتحرروا من صليب ثقيل وإنما حُمِّلوا صليبا آخر هو حياتهم المنقسمة على ذاتها، تارة هنا وتارة هناك، حابسين أنفاسهم، بدون تعزيات محملين بالمسئوليات تجاه أولادهم. إنها كنيسة الأزواج الذين بدون أطفال أو ذوو الأطفال المتبنين الذين يكرسون أنفسهم وحياتهم ليعطوا أبوتهم وأمومتهم لمن حرم منهما على الأرض. إنها كنيسة من ليس لهم عمل ويبحثون عنه دون جدوى ويضطرون أن يعتمدوا على عطاء الغير. إنها كنيسة الذين بدون بيت والمهاجرين والمشردين والمساجين الذين يموتون بدون رعاية أو مساعدة. إنها كنيسة الوحيدين والمنعزلين والمكتئبين في مجمتع ينتج وحوشا ولكن لا يقبل إلا العاديين. إنها كنيسة من يحملون كل يوم أثقال بعضهم البعض ويخدمون المرضى ويساعدون المسنين واليائسين ويضحكون الأطفال المصابين بالسرطان في المستشفيات ويلقطون الذين بدون بيت ثابت من الشوارع ليسكنوهم تحت جناحي الكنيسة.

إنها الكنيسة التي، في رحلتها نحو ملكوت الله، ترى الانسانية مجروحة ومتألمة فتتأوه في أحشائها المليئة رحمة فتقترب وتجبر الجروح وتسكب عليها زيتا وخمرا وتركب الناس على دابتها وتحملها إلى بر الأمان مسددة حساب العلاج من جيبها الخاص (لو ١٠:٣٣-٣٧). إنها كنيسة غير المؤمنين الذين تركوا البيت المشترك لأنهم رافضون لقساوة الناموس دون محبة ورحمة الإنجيل. إنها كنيسة من يركضون ويقعون على عنق الانسانية المجروحة لإعادة ولادتها في محبة لا متناهية كما فعل أبو الابن الضال. إنها كنيسة المسيح الذي عرفنا بأن الدينونة الأخيرة لن تتعلق بالليتورجيات أو ثياب الإكليروس ولكن بالمحبة وجودتها فقط:

 لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ.
(مت ٢٥:٣٥،٣٦)

إنها كنيسة من يميزون في الجائع والعاطش والغريب والمريض والمحبوس والعريان الرب يسوع الذي يمر بشوارع العالم ليتأكد من صدق إيماننا ومصداقية ليتورجياتنا. إنها كنيسة من لا يحتاجون أن يسألوا الرب: يَارَبُّ ،مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمْنَاكَ ،أَوْ عَطْشَاناً فَسَقَيْنَاك؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيباً فَآوَيْنَاكَ ،أَوْ عُرْيَاناً فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟

إنها كنيسة تعرف جواب هذا السؤال لأنها تعيش في لحمها وفي أملها قول السيد: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ ،فَبِي فَعَلْتُمْ.

إنها كنيسة الفقراء الذين يمشون في العالم نحو اللقاء مع الرب القائم، ليس كتلك الكنيسة التي لديها دائما الإجابة عن كل سؤال ومشكلة وإنما كمجموعة مسافرين يمشون في شوارع العالم بدون توقف بصحبة المسافرين والمسافرات الآخرين من كل لغة وبلد وثقافة ودين يرتشفون معا رشفة من الماء البارد ويعاودون السير وهم يعزون ويقبلون ويحبون من يقابلون كما يفعل الأب في مثل الابن الضال الذي لا يتردد أن يركض نحو الابن البعيد وبعد أن يبلغه يضعه في بطنه فيلده مرة أخرى مسلما إياه إلى حياة الشركة مع الآخرين.

إنها الكنيسة التي نحبها ونريدها ونتمناها: الكنيسة التي نؤمن بها والتي مستعدون أن نضحي بحياتنا من أجلها لأنها هي وهي فقط تستطيع أن تكشف لنا سر أبي الابن الضال: الأب الذي كان أما.

عن كتاب “الأب الذي كان أما” بتأليف باولو فارينيللا بتصرف

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: