مقالات

الكنيسة وقدرتها على الإتحاد – للأب متى المسكين

طبيعة الكنيسة فعالة كطبيعة المسيح، تواقة للإتحاد، فالذي يقترب منها يقترب إليه، والذي يتحد بها تتحد به، والذي يثبت فيها تثبت فيه.
الكنيسة تعطي نفسها لكل من يعطيها نفسه فيصير كل من يتحد بها عروساً طاهراً بلا عيب للمسيح كالكنيسة. روح الكنيسة لا يفيد من يقترب إليه عقلياً ولا ينتفع به من يدرسه فلسفياً، ولا يمكن لأي عالم أو فيلسوف أن يشرحه منطقياً، لأنه روح شديد يتحرك، فياض لا يستطيع أن يحصره العقل، لا يعرف إلا بفعله ولا يحس إلا بالإقتراب من قوته والدخول في مجالة، دائم التفجر لا يستقر على حال، مجدد لا يستطيع العقل أن يلاحق تجديده، فهو في كل ساعة يعمل عملاً وفي كل يوم يغير شكل الإنسان ليصير على صورة خالقه.
الإنسان التقي المتتلمذ للكنيسة، الذي يخدم ترابها، الذي يشرب كل يوم جرعة جديدة من سرها ولاهوتها وطقسها وتاريخها، يعرف قوة هذة الكلمات وأكثر.
الذي يخطئ إلى الكنيسة ويظن أنها يمكن أن تنحصر في بلد أو في قطر أو في شكل أو في إسم يخطئ إلى المسيح رأسها الذي دفع إليه كل سلطان مما في السماء وما على الأرض لتخضع له كل ركبة وتخلص كل نفس بواسطة الكنيسة التي هي جسده، ويخطئ إلى الروح القدس الذي يملأها ليجعلها تملأ الأرض والسماء وتجمع كل إنسان بفعل نعمته. (أفسس 1: 10 و23)

الكنيسة بهذا الوضع ذات طبيعة قادرة أن تحل الخلافات وتفك الحواجز وتلاشي الفوارق، سواء بين الأجناس أو الشعوب أو البلاد أو البيئات أو الثقافات أو العقائد وكل تحزب أو تعصب سواء كان من ضيق عقل الإنسان أو من صنع الشيطان. هذا لو إستطاعت الكنيسة أن تكشف طبيعتها للناس بواسطة محبيها الودعاء الطيبين غير المتحزبين، فيقدمون للمتخاصمين عينة من بذل المسيح ولطف الروح القدس.

طبيعة الكنيسة أقوى من طبيعة العالم، لأنها لا تطلب ما للعالم ولا يستهويها شئ مما في العالم.

طبيعة الكنيسة تحل العداوة والخصام والتحزب والعنف وكل خلاف لأنها تطلب فقط خلاص الإنسان.

الكنيسة حينما تسعى بطبيعتها للصلح والسلام وحل الفوارق بين كافة المضادات، فهي لا تصنع ذلك خدمة للعالم على أسس إجتماعية لإصلاح بيئة الإنسان وإعادة بناء مدينته بوضع أفضل، إنما على أساس آخر مختلف كل الإختلاف، وهو خلاص الإنسان وضمان حياة أبدية له. لذلك فالصلح والسلام والحل الذي تصنعه الكنيسة على الأرض يضمن للإنسان سريان مفعوله في السماء كأمر الرب “ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (متى 18:18).

أما الثمن الذي دفع ليكون للكنيسة هذا السلطان فهو ثمن فادح دفعه الرب بدمه، فالكنيسة تستنزف من دم المسيح ممثلا في بذل الكارزين بإسمها ليكون ضماناً وتسهيلاً لتحرير الإنسان من الأرض وحله من سلطان الخطيئة والإثم إلى أبعد مدى. وعلى أساس هذة الطبيعة الموحدة الجامعة الباذلة أعطيت الكنيسة، أمراً إلهياً بتلمذة جميع الأمم لله وتقديم الإنجيل حياً لكافة الناس.

فالكنيسة ليست مسئولة فقط عن الكرازة بالإنجيل، بل وعن إعطاء قوة الحياة حسب الإنجيل، وذلك من واقع صميم قوتها الإلهية وأسرارها والنعمة المذخرة فيها وشفاعة قديسيها.

كذلك فالكنيسة موضوعة في العالم كنواة تجميع وكعنصر موحد.
الكنيسة لا تصنع الكرازة ولا تقدم الحياة للناس فضلاً منها، الكنيسة تشعر في نفسها أنها أحوج ما يكون للضالين، وهي في عوز مطلق للخطاة والشاردين، وتحس أنه لا راحة لها طالما الإنقسام والفرقة قائمين في كيانها بإسم العقيدة أو الإيمان. طبيعة الكنيسة غير مكتفية بذاتها، لأن وجودها وكيانها يتوقان بإستمرار على مصالحة الناس بالله وضمهم إلى جسمها بإستمرار، فالكنيسة تتغذى وتنمو بتوبة الخطاة ورجوع المنقسمين والمتفرقين إلى واحد.

الكنيسة تحيا وتعطي،
لا من ماضيها بل بحاضرها الحي في قادتها وشعبها!
رسالة الكنيسة هي البشارة “بحياة جديدة حسب غلإنجيل”. تعطيها من الخارج في صورة تعليم إلهي ككرازة، ثم من الداخل كقوة وفعل سري من الله.

والكنيسة التي تكتفي بالتعليم فقط لا تنجح، لابد من تسليم الحياة نفسها. أما سبب ضعف الكنيسة وعدم قدرتها على إعطاء قوة الحياة الجديدة وأسرارها فهو متركز أولا وآخرا في قلة من يمثلون الكنيسة الحقيقية في حياتهم الخاصة تجاه العالم. فالكنيسة بالرغم من وجودها الإلهي الدائم الأبدي الذي يفوق كل قوى الجحيم، إلا أنها تحتاج إلى أن توجد بشريا في أشخاص أمناء متكرسين تماما لله يعيشون بالروح حسب وصايا الرب يسوع بكل تدقيقي، يعمل فيهم سر الله ويحملون قوة الحياة الجديدة في قلبهم وفكرهم وجسدهم ويوصلونها بالقدوة والقيادة والتسليم.

الكنيسة عبثاً تحاول أن تجد نفسها بالدفاع عن إيمانها القويم، أو بمحاوراتها اللاهوتية المتقنة، أو بعرض تاريخها المجيد الحافل بأمجاد المعرفة والمؤلفات والمواقف والقوانين فقط، هذا صراع بشري ينتهي بإثبات وجود الكنيسة تاريخيا فقط!.

الكنيسة توجد عندما يوجد فيها من هو في الله يعيش. أي يكون له روح المسيح وحياته ووصاياه، فيكون له قدرة على أن يجمع مع المسيح بروح الله.

الكنيسة توجد عندما يصير فيها الإنجيل حيا يعيشه قادتها ويعطونه للشعب كحقيقة عملية مطبقة أمامهم كقوة ناجحة يغلبون بها العالم!.. وبرهان وجودها وحياتها يكون بغلبتها لروح العالم.

أي أن قادة الإتحاد في كافة الكنائس التائقة إلى الوحدة هم بحد ذاتهم موضوع الوحدة، الموضوع الحي الذي يشرح ضرورة هذة الوحدة وامكانياتها وقوتها وعطائها في الإيمان الواحد.

جزء من مقال للأب متى المسكين، إصدار مجلة مرقس في عددها الخاص عن “وحدة الكنيسة” في نوفمبر 1975

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: